الرئيسية » مميز » ظهور المسرح عند العرب

ظهور المسرح عند العرب

الساحة-بوحجر
يرجع الأصل اللغوي للمسرح إلى المكان الذي تسرح إليه الماشية ثم أطلق على منصة المسرح فعلى صالة العرض، ويعتبر المسرح في الاصطلاح، كما عرفه عبد الكريم برشيد، شكلا من أشكال التعبير عن المشاعر والأفكار والأحاسيس البشرية وسيلته في ذلك فني الكلام والحركة بالاستعانة ببعض المؤشرات الأخرى. يتجاور في المسرح العلم والفن والأدب والتفاعل النفسي والاجتماعي، ويلتقي الحاضر والغائب والممكن والمحال. يتفق معظم الباحثين في هذا الفن أن المسرح بدأ يونانيا منذ القرن السادس قبل الميلاد مع احتفالات ديونيزوس، وظل هدفه التطهير. ولم يعرف العرب المسرح إلا مع عصر النهضة خصوصا مع مارون النقاش (1847)، لكن المسرح العربي يجد تجلياته وجذوره التراثية في الحلقة والبساط وسلطان الطلبة واحتفالات الشيعة بذكرى مقتل الحسين ثم الحلقات الصوفية ومسرح الدمى وخيال الظل، وبعد الحرب العالمية الثانية بدأت الثقافة المسرحية تتغير لدى المسرحيين والنقاد بسبب دور المطابع والمؤسسات الرسمية والمجلات المتخصصة ووسائل الاتصال المتنوعة في نشر الثقافة المسرحية وتشجيعها، فأصبح المسرح يدرس في الجامعات بناء على قواعد وأصول ومدارس..، وتخرج منها نقاد أمثال: حسن المنيعي، ومحمد المديوني، وسعد أردش، وعبد الرحمان بن زيدان، ورياض عصمت. كما أن المسرحيين أنفسهم أصبحوا يُنَظرون لأعمالهم المسرحية ويعرفون بها، من قبيل: سعد الله ونوس، وروجيه عساف، وعبد الكريم برشيد.. وفرحان بلبل

سمات النص المسرحي (المصدر : النص المسرحي، الكلمة والفعل، لفرحان بلبل،منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2003 ص 126 وما بعدها)

أوَّلُ سماتِ النّصِّ المسرحيِّ هي (المعايشةُ) ، لكنَّ حالةَ المعايشةِ التي هي أخصُّ خصائصِ المسرحِ والتي هي أعظمُ ميزاتِه ، هي أيضا صعوبته ومشكلتُه، والتي كانتِ السَّببَ في افتقادِ كثيرٍ منَ أعظمِ المسرحيّاتِ لأهمِّيتها مع مرورُ الزَّمن على عكْس بقيَّةِ فنونِ الأدبِ والفنِّ التَّشكيليّ. فالملاحمُ والرِّواياتُ والقصائدُ واللَّوحاتُ والمنحوتاتُ تَحتفظُ ببهائِها وعَظَمَتِها مهْمَا تطاولتْ عليها القُرونُ. والمعايشةُ التي هي الصِّفةُ الأولى للمسرحِ تَعْنِي أنَّهُ فنٌّ يُطلبُ منه أن يتحدَّثَ عن مشاكِلِ عصرنا وعنْ همُومنا الفكربّة و السياسيّة و الاجتماعيَّةِ والإنسانية بجلاءٍ واضحٍ لا مُوَارَبَة فيه إلا موارَبَةَ الفَنِّ ، ولذلكَ كانت ( الآنيةُ) ثانيَ خصائصِ المسْرحِ ، والكاتبُ الْمَسرحيُّ لا يستطيعُ أبداً أن يهرُب من مواجهةِ مشاكلِ عصرهِ الآنيةِ سواءٌ كانت حكايةُ المسرحيّةِ معاصرةً استمدَّها من وقائِعِ الحاضِرِ أم مِنْ أحداثِ الْمَاضِي ، وحالةُ التَّماهِي والاندماجِ لا تكتملُ على الإطلاقِ إذا لم يشاهدِ المتفرِّجُ المتلقِّي ذاتَه ومشاكِلَهُ وهواجِسَه على خشبةِ المسرَحِ أمامَه ، وبِمِقْدارِ ما يستطيعُ الكاتبُ- ومعه فريق العرض المسرحيِّ- أنْ يقتربَ منْ هذه الآنيةِ و يغوصَ فيها، يضمنُ لنفسه النَّجاحَ الكَاسحَ ، لكنَّ هذه الآنيةَ لا تتحقَّقُ للنَّصِّ المسرحِيِّ إلاّ إذَا وُضِعَتْ ضمنَ بوْتَقَةِ العواطفِ الإنسانيّة الخالدةِ التي تقوم على صراعاتٍ محدَّدَةٍ لم يَخرُجْ تاريخُ المسرَحِ عنها أبداً ، وملخَّصُها هو الصِّراعُ بين الخيرِ والشَّرِّ بمعناه الواسع الطيف الذي يضمُّ كلَّ النَّوازعِ البشريَّةِ ، وحينُما يستطيعُ الكاتبُ وضعَ آنيةِ عصرِهِ ضمنَ ديمومةِ صِراع نزاعات البَشَرِ ، فإنَّه يُحقِّقُ لنفسه الخلودَ ، فكأن الآنيةَ التي هيَ آفةُ فناءِ المسرحِ هي في الوقتِ نفسِه جوهرتهُ ودرَّتُه الثَّمينَةُ ،
وبذلك تكون (الدَّيمومةُ) ثالثَ سماتِ النَّصِّ المسرحِيِّ ، لكنَّها ديمومةٌ ليست منفصلةً أبداً عن الآنيةِ وتَلازُمُ هاتينِ الصِّفتينِ في النَّصِّ المسرحِيِّ جعلتْ له خصوصيَّةً عجيبةً في تكوينِه وأساليبِ تأْليفِه.
إنَّ الآنيةَ هي التي تؤدِّي إلى سرعةِ التَّغيُّراتِ في أصولِ الكتابةِ لكنَّهَا ليست وحْدَهَا التي تَحكُم قواعدَ التَّأليفِ المسرحِيِّ. فإنَّ ديمومةَ النِّزاعاتِ الإنسانيةِ فرضتْ على فنِّ التَّأليف قواعدَ ثابتةً لم تتغيَّرْ ولنْ تتغيَّرَ لأنَّها الوعاءُ الذي يضَعُ فيه الكاتبُ آنيةَ عصرِه في خلودِ بقاءِ الإنسانِ وبقاءِ نوازِعِه الأساسيَّة، وتتجلَّى هذه القواعدُ في ( الصّراع- تصاعدُ الحكاية دراميّا- دقَّـة بناءِ الشَّخصياتِ في تطوُّرِها عموديّا وأفقيا ) . وهذهِ القواعدُ نَجدها راسخةً في جميع المذاهبِ والاتِّجاهاتِ و المدارس المسرحيَّةِ وفي جميع الأشكالِ الكثيرةِ التنوُّعِ التي دخلَها التَّأليفُ المسرحَيُّ.

والآنيةُ تتركُ أثراً مرعِباً على النَّصِّ المسرحِيِّ ، وهي أنَّهُ يُصبِحُ متخلِّفاً عن عصرِه وبِمُجرَّد الانتهاءِ من كتابتِه ، فالمشكلةُ أو القضيَّةُ التي عالجها الكاتبُ أو الطُّموحاتُ التي سعَى إلى تصويرِهَا ووصفِها اليومَ ، سيحُلُّ محلَّهَا مشاكلُ وقضايَا وطموحاتٌ جديدةٌ بعدَ مدَّةٍ قد لا تزِيد عن سنواتٍ قليلةٍ ، ولأَنَّ الكاتبَ مُضطرٌّ أنْ يكونَ ضارياً في التَّصويرِ ، فإنَّ المجتمعَ البشريَّ لا يكونُ إلاَّ ضارياً في التَّغييرِ ، فلاَ يكونُ أمامَ النَّصِّ المسرحِيِّ إلاَّ أنْ يُصابَ بآفةِ التَّخلُّفِ عن عصرهِ شاءَ أم أبَى ، يزِيد من التَّعجيلِ في تخلُّفِ النَّصِّ المسرحِيِّ عن عصرِه أنَّ الحكايَةَ فيه ليستْ مقصودةً بذاتِها فحسْب ، بل وبِمراميها أيضاً ، وذلك على عكْسِ الرِّوايةِ والشِّعرِ.

لِهذا كانَ الهدفُ الأعلَى ، واحداً من أَخَصِّ خصائصِ التَّأليفِ والعرْضِ فِي المسرحِ لأَّنَّهُ غايةُ الغاياتِ في العمليَّةِ المسرحيَّةِ كلِّها ، وليس الهدفُ الأعلى إلاَّ ( الفكرةَ التي أمسكَ الكاتبُ القلمَ لإبرازها) كمَا يقول سْتَانسلافِسْكي ، والتي يَجِب على الممثِّلِ والمخرجِ وجميع عناصر العرْض المسرحيِّ أن ْيبحثُوا عنها ويبرزوهَا وإلاَّ كان مجموعُ ما عملوه إلى بوارٍ ، وهذا الهدفُ الأعلَى هو جوهرُ المعايشةِ والآنيةِ اللَّتينِ يقصدُهما الكاتبُ ويقصدُ إليهما القارئُ أو المخرجُ. ولولاُ هذا الهدفُ الأعلى بتجلِّيه في المعايشةِ والآنيةِ لما دخلَ صالاتِ المسرحِ أحدٌ. فإنَّ المتفرِّجَ لا يذهبُ إلى المسرحِ لكيْ يتمتَّعَ بالحكايةِ في الدَّرجةِ الأُولى بل يذهبُ إلى المسرحِ ليشارِكَ الآخرينَ في متابعةِ قضيَّةٍ من قضايا عصرِه المؤرِّقةِ له كيْ يكوِّنَ لنفسه رأياً مشتركاً بينَه وبين أقرانِه من أبناءِ عصرِه.

إنَّ الآنيةَ والمعايشَةَ والأهدافَ العُليا التي تترُكُ أثرَهَا الحاسمَ على المتلقِّينَ ، تتركُ تأثيرها الحاسمَ على النّصِّ المسرحيِّ نفسِه ، فبمقدارِ ما هي ميزتُه هيَ آفتُه. وهذه الآفةُ هي أنَّ النصَّ المسرحيَّ يفقِدُ الكثيرَ من قيمتِه الأدبيَّةِ والفنِّيَّةِ والفكريَّةِ بعدَ ما لا يزيدُ عن عشرينَ عاماً من كتابتِه ، فيصبِحُ بعدَها غيرَ قابلٍ للحياةِ على خشبةِ المسرحِ، وبتحوَّلُ أو يكادُ إلى أثرٍ متخف .

إنَّ سماتِ النصِّ المسرحيِّ ( الآنية والمعايشة والهدف الأعلى) التي تؤدِّي إلى هذه الآفةِ القاتلةِ لهُ بعد التماعٍ وارتفاعٍ ، تَجعل له ميزةً خاصة بهِ هي أنَّه واحدٌ من أضْرَى أسلحةِ تطوُّرِ المسرحِ وتجديده، ومن أرهف مناحي تطوير النَّقد المسرحيِّ ، ومن أبرَعِ عواملِ الارتقاءِ بالذَّائقةِ الجماليَّةِ عنْدَ النَّاسِ.
. فلَكيْ يحافظَ الكاتبُ على الآنيةِ والمعايشة والهدف الأعلى ، يجدُ نفسَه مضطرّا لأن يختَرِعَ أسلوباً جديداً في فنِّ كتابةِ المسرحِ ويكونُ هذا الأسلوبُ معادِلاً فنِّيا للواقِعِ الاجتماعِيِّ والذَّوْقِ الجَمَالِيِّ السَّائِدِ في عصرهِ ، ودليلُ ذلكَ أنَّ كُتَّابَ كلِّ جِبلٍ يتَّخذُونَ أصولاً واحدةً في الكتابةِ رغمَ التَّمايزاتِ الكبيرةِ بيْنَهُم في تجلِّيَاتِ هذه الأصولِ، وهو، رغْمَ اختلافِ موضوعاتِهم، يُدافِعون عن أهدافٍ عُليا واحدةٍ تُشَكِّلُ المطالبَ الأساسيَّة لِمُجتمعِهم في عصرهِ ذاكَ.

إنَّ اختِراعَ الكاتبِ لأساليبِ الكتابةِ بُغيةَ التَّعبير عن الآنيةِ والمعايشةِ والهدفِ الأَعلى في العصرِ والمرحلةِ والمطالبِ الاجتماعيَّةِ فيهما ، ويولد كل محاولات التجريب في المسرح، ولسرعة التغييرات الاجتماعية التي تستتبعُ تغييرات في وسائلِ تعبيرِ المسرحِ عنها ، كانَ التأليفُ المسرحيُّ حقْلاً للابتكارِ والتّجديدِ ، ومن هنا كثُرتْ مُحاولاتُ التَّجريبِ التي إنْ أحصَيْنا فيهَا أعلاماً بارزينَ ، فإنَّنَا نعجَزُ عنْ ملاحقتِها جميعاً.

ولا يُمكنُ للنَّصِّ المسرحيِّ وما معه من عواملِ العرْض المسرحيِّ أنْ يرتفعَ بالذَّائقةِ الجماليَّةِ عند النَّاسِ إلاَّ إذا كانَ واعيا تَماماً للجماليّات الفنّيَّة السَّائدةِ في عصْرِهِ في الفنِّ التَّشكيلِي وفي الموسيقى وفي الأَدَبِ عموما وفي الشِّعر على الخُصوص ومن جماليَّات هذه الفنون جميعا ينطلقُ الكاتب في بناءِ حكايتِه وتشْيِيد حبكته ورسْم شخصيَّاتِه.

إنَّ فنَّ المسرح جُماعُ الفُنون فإذا جمعَها في يده بقبضةٍ مُحْكَمَةٍ استطاعَ أنْ يرتقِيَ بِهَا كلَّهَا ، فيترك على الشّعر بصماتِه في أسلوبِ توجُّهه إلى النَّاسِ ، ويُوحي إلى الفنِّ التَّشكيليِّ بطرائقَ في الرَّسمِ والنَّحتِ تقتربُ منْ ذائقةِ النَّاسِ الجماليَّةِ حتَّى يُصبِحَ فنّاً أصيلاً في الثَّقافةِ العَربيَّةِ وهو أمرٌ لم يتحقَّقْ لهُ حتَّى الآنَ.

ثنائية النص والعرض في المسرح الغربي:

إن استقراء الدراسات والأبحاث التي تطرقت لثنائية النص/ العرض في الغرب, يجلي موقفين متباينين إزاءها:
ü موقف يؤكد على أن المسرح نوع من الأنواع الأدبية, يقوم على نص مكتوب يحمل خصائص أدبية, ويشكل المنطلق الأساسي لعملية إنتاج العروض, كما يمكن الاكتفاء بقراءته وتحصيل المتعة منه, تماما كما تحصل عند قراءة نص روائي أو شعري…
ü وموقف يرى بأن المسرح ممارسة وتجسيد فوق الخشبة بالدرجة الأولى, وأن النص مجرد عنصر من عناصر العرض. وقد دافع أصحاب هذا الرأي عن مركزية العرض في المسرح, ودعوا إلى التخفيف من سلطة النص أو إلغائه بصفة نهائية.

حظي النص المسرحي منذ أسخيلوس حتى القرن التاسع عشر بعناية كبيرة, حيث اعتبر من طرف مجموعة من الدارسين والمؤلفين, جوهر العملية الإبداعية المسرحية, هو منطلق العرض ونواته, وهو الذي يمنح المسرح قيمته الأساسية.
ويقصد بالنص المسرحي, العمل الذي ينتجه المؤلف, ويقوم أساسا على اللغة, ويتوجه به صاحبه إلى القارئ سواء إلى القارئ العادي أو إلى القارئ المخرج.
وأذكر من الدارسين الذين دافعوا بشدة عن مركزية النص في العمل المسرحي: (ألكسندر دوما) (الإبن) Alexandre dumas (1895 ـ 182) والكاتب الفرنسي (هنري بيك) Henry Beque (1837 ـ 1899) و(جورج كورتلين)George Courteline (1858 ـ 1929) وغيرهم.
ويرى هؤلاء أن النصوص الجيدة تحقق فائدة ومتعة تفوق فائدة ومتعة المشاهدة, ويختزلون دور العرض في كونه مجرد ترجمة للنص أو قراءة تفسيرية له, تقوم على تشخيص الأحداث الواردة في النص المسرحي, فيصبح العرض في هذا المنظور “قراءة ثانية جماعية بالنسبة للذين لا يريدون أو لا يعرفون القراءة”[1] ويحرص أنصار النص على جودة النصوص المسرحية من الناحية الأسلوبية والبلاغية والخطابية, لأن “الامتحان الحقيقي للعمل الدرامي ليس هو العرض, فالعمل الجيد يجب أن يصمد أمام الامتحان الآخر الذي هو غياب العرض, على كل حال العمل الجيد ليس بحاجة على الإطلاق إلى العرض.”[2] يتضح مما سبق أن النص يحتل مكانة مركزية في العملية المسرحية, ويظل وثيقة خالدة تحافظ على الحدث المسرحي, أما العرض فيأتي في المرتبة الثانية, تقتصر وظيفته على تجسيد النص وتفسيره, كما أنه ينتهي ويتلاشى بانتهاء مدة التشخيص.
المخرجون أيضا كرسوا هذا الفهم لأنهم ظلوا, ولفترة طويلة, يسخرون كل إمكاناتهم الإبداعية لتجسيد النص, وترجمته إلى مجموعة من الممارسات الحية على خشبة المسرح[3], وكان الإخراج بذلك “عملية ثانية لاحقة للنص المسرحي تعنى بتحويله إلى عرض.”[4]الممثل بدوره كان منخرطا في خدمة النص, إذ كانت الشروط الواجب توفرها فيه هي الإلقاء والأداء الجيدين لإظهار مقومات النص الأدبية والجمالية.
لقد ظل النص في المسرح العالمي سيد العملية الإبداعية المسرحية, إلى أن استجدت مجموعة من العوامل التي أدت إلى تجاوز التصورات التقليدية التي تؤكد على أولوية النص, ومنها ظهور مفهوم الإخراج في نهاية القرن التاسع عشر وتطوره, ووسائل الاتصال المسموعة ـ المرئية مثل السينما والتلفزيون التي أدت كما يقول (جوليان هيلتون) إلى “تغيير القاعدة التي ترتكز عليها الثقافة, من قاعدة نصية (أي الكلمة والنصوص المكتوبة) إلى قاعدة مسموعة مرئية (أي تعتمد على الصوت والصورة)”[5] وأدرك المسرحيون أن اللغة الأدبية ليست هي لغة المسرح, وإنما عناصر التشخيص على الخشبة هي ما يمنحه الخصوصية. وبدأت هذه الأفكار تتبلور منذ مطلع القرن العشرين في شكل تجارب طليعية تدعو إلى تقليص دور الكاتب والنص في المسرح, قادها في الاتحاد السوفيتي كل من (ستانسلافسكي) و(مايرهولد), وفي أوروبا كل من (رينهارت) و(كريج) و(أبيا),ومثلها في أمريكا: (آرثر ميللر) و(إدوارد ألبي) وغيرهم.
ومن بين الطروحات الرائدة في هذا الصدد نجد:
ــ تقنية الحذف والإلغاء التي أحدثها (جروتوفسكي), أي حذف وإلغاء كل ما لا يحتاج المسرح إليه وبتعبير آخر “تخليص المسرح من أثقاله الدخيلة عليه.”[6] والإشارة هنا إلى النص. أما العناصر الأساسية التي لا يمكن للمسرح أن يقوم بدونها, فهي الممثل والجمهور والعلاقة الحية التي تجمع بينهما.
ــ أما (مايرهولد) فقد دعا إلى إلغاء حصانة المؤلف, أي الحد من هيمنة النص في العملية المسرحية, فقد “تنبأ بنهاية الآداب المسرحية”[7] ــ ويعرف المخرج (بتربروك), المسرح على أنه “خشبة مسرح: مساحة فارغة” وهو المكان الذي يقف عليه الممثل أمام جمهور ليؤدي عرضا يتمحور حول فكرة ما.[8] وهذا يفضي إلى القول إن عناصر العرض بدأت تحتل مكانا محوريا في تعريف المسرح.
ــ (كوردن كريج), وهو أحد أبرز الذين يرون أن العودة بالمسرح إلى أصوله وينابيعه الأولى, المتمثلة في الحركة والرقص والإيماءات, هي التي تمنحه خصوصيته وتعبر عن حقيقته, لذلك دعا إلى المسرحية الصامتة الشاعرية, وفي ذلك إقصاء واضح للكلمة التي لم يعد دورها رئيسا في العمل المسرحي.
ــ أما (أدولف أبيا), فقد اعتبر “المؤلفين كتاب كلمات لا يهتمون برسم الحركة المسرحية أو أنهم يقيدون العاملين في المسرح بنصوصهم وكأنها هدف لذاته.”[9] ــ وتعد نظرية (أنتونان أرتو) من أهم النظريات التجديدية في المسرح الغربي, ومن أقوى المواقف ضد النص والأدبية في المسرح, لأن (أرتو) لم يكتف باعتبار النص مجرد عنصر من عناصر العرض, ولكنه رفض سلطة اللغة التي يفرضها الكاتب, ودعا إلى العودة إلى أصول المسرح وهي التي تتصل بالإخراج[10], وإبعاد الكاتب في العمل المسرحي, وتعويضه بالمخرج من أجل خلق لغة مختلفة ومتميزة عن لغة الكاتب المسرحي الذي يهتم بإنتاج المفاهيم, لذلك فهو يدعو إلى “ترك تمثيل المسرحيات المكتوبة, وإلى محاولة القيام بتجربة الإخراج المباشر للموضوعات والوقائع والمؤلفات المعروفة, ذلك أن طبيعة القاعة ووضعها يتطلبان العرض, وليس هناك موضوع, مهما اتسع يمكن أن نمنع من إخراجه”[11].
وانطلاقا من النصف الثاني من القرن العشرين, اعتبر العرض من طرف المخرجين أمثال (فسيفولد مييرهولد) (1874 ـ 1940) و(ألكسندر تايروف) (1885 ـ 1950), عملا إبداعيا مستقلا عن عمل الكاتب, وظهرت اتجاهات ومدارس إخراج عديدة, وأصبح المخرج يتبوأ مكانة تضاهي أو تفوق مكانة المؤلف المسرحي, إذ لم يعد يقدس النص بل أصبح ينطلق ليبني قراءته الخاصة, ويتصرف فيه أحيانا لإنتاج نص جديد وبرؤية جديدة.
وتجدر الإشارة أيضا إلى أن تطور مفهوم الإخراج أدى إلى تطور مجموعة من المفاهيم وعلى رأسها: الممثل وأداؤه, إذ تحول التركيز في دور الممثل من حسن الإلقاء إلى الاهتمام بالأداء الجسدي والحركي. ويعتبر (ستانسلافسكي) “أول مخرج اهتم بإعداد الممثل واعتبره عملية بحث متكاملة حول الدور, وليس تدريبا على الإلقاء.”[12] وقد ظهرت تجارب أخرى تهتم بإعداد الممثل نذكر منها, تجربة البولوني (جيرزي جروتوفسي) وأسلوب الألماني (برتولد بريشت) (1956 – 1898) في إشراك الممثل في القراءة الدراماتورجية للنص المسرحي.[13] كما أحدثت تخصصات جديدة في إطار هذا التحول, كمهندسي الديكور والإنارة والملابس… وتطورت مفاهيم أخرى, تبعا لتطور مفهوم الإخراج, كالمكان المسرحي والكتابة المسرحية والدراماتورجية.
إن الثورة على النص المسرحي هي أبرز مظاهر التجديد التي عرفها المسرح في القرن العشرين, والتي قادها بالإضافة إلى الأسماء المذكورة, باحثون ومبدعون ومخرجون ونقاد عديدون[14], قاسمهم المشترك هو التركيز على ما يخصص المسرح من عناصر لها صلة وثيقة بالعرض.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. ألكسندر دوما نقلا عن د. يونس لوليدي: المسرح بين أدبية النص وفنية العرض (من الفضاء النصي إلى الفضاء الركحي) ـ مجلة: البيان ع: 332 ـ مارس 1998 ـ ص: 10
2. Henry Couhier: l’essence du theatre – p: 102.
3. د. محمد الكغاط : المسرح وفضاءاته ـ ص: 87.
4. د. ماري إلياس ود. حنان قصاب حسن: المعجم المسرحي ـ ص: 7.
5. جوليان هيلتون: نظرية العرض المسرحي ـ ترجمة: نهاد صليحة ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ ص: 18.
6. صافي ناز كاظم: مسرح المسرحيين ـ ص: 99
7. محمد الكغاط: المسرح وفضاءاته ـ ص: 88.
8. المرجع السابق ـ ص: 88.
9. 9. صافي ناز كاظم: مسرح المسرحيين ـ ص: 99.
10. 10. محمد الكغاط: النص والعرض في عروض مهرجان المسرح العربي المتنقل ـ مجلة: الأساس ـ ع:16 ـ فبراير 1985 ـ ص: 8.
11. محمد الكغاط: المسرح وفضاءاته ـ ص: 99.
12. المرجع السابق ـ 90 ـ 91.
13. د: ماري إلياس ودة. حنان قصاب حسن: المعجم المسرحي ـ ص: 10
14. د. يونس لوليدي: المسرح بين أدبية النص وفنية العرض ـ مرجع مذكور, و د محمد الكغاط: المسرح وفضاءاته الصفحات: 86 ـ 87 ـ 88…..

عن الساحة

اترك تعليقاً