الرئيسية » آراء ومواقف » ثقافة الدرب

ثقافة الدرب

الساحة : بقلم عبد العلي الهلالي

 

يقال أن كل شيء إجتماعي له بعد ثقافي , و كل شيء ثقافي له بعد اجتماعي في أنحاء العالم, وهذا ما يدل عليه واقعنا الذي نعيشه ,فتقاليدنا وعاداتنا كانت لها أبعاد ثقافية و إجتماعية , كما أن التخلي عنها والدخول في أمواج العولمة له نفس الأبعاد .

اتذكر عندما كنت صغيرا , كانت أمي ترسلني إلى الجيران لأطلب منهم أي شيء من الحاجيات , فكنت دائما أعود بما طلبته إلا فيما نذر, وحتى إن كان هناك شيء يسير مما طلبته يتم إقتسامه بالسوية , وكنت أيضا شاهدا على العديد من الجيران يأتون إلى منزلنا لطلب حاجياتهم وما ينقصهم, من جانب آخر وكصورة اخرى من مظاهر التعاون والتي كتب لي العيش في كنفها والارتشاف من خيرها  , و هو أني كنت أقطع مسافة الدرب الذي أقطن فيه من بدايته إلى منتهاه وأجد أن جميع المنازل أبوابها مفتوحة على مسراعيها , وطبعا لا تحتمل إلا تفسيرا واحدا و هو الكرم و الجود خاصة و أن وقت الضحى كان دائما شاهدا على اجتماع الجيران في أحد المنازل وبما أن الشيء المفضل في تلك المنطقة هو شرب الشاي  , فإن كنت مارا من الحي  وصادفك  أحد الجيران لبادرك مسرعا بطلب الدخول لشرب الشاي ,لكن الشيء الأكثر تميزا فعلا والذي أصبح مفقودا في وقتنا ,بل هو سبب رئيسي في إنتشار ظاهرة التسول , هو ذلك التضامن مع الفقراء و الأرامل و اليتامى والذين كان أهل الدرب  لا يبخلون عليهم بما جاد عليهم الرحمن و مرحب بهم دائما, طبعا هذا كان يجعلهم يتعففون من طلب الحاجة في أماكن أخرى ,وهناك مظاهر كثيرة تدل على تضامن الأهل سواء في الأعياد حيث يتم إدخال الفرحة على قلوب ابناء الجيران أو الأهل إذا كانوا فقراء او يتامى ,أو في الشدائد عند المرض او الموت نرى ذلك التكافل و الترابط الذي ليس له مثيل, هذا كان يتجلى حتى عند الأطفال , فإبن الدرب له مكانة خاصة لايمكن تجاهلها .

هذا عن القرية و في أيام قد خلت ,أما في المدينة و في هذا التاريخ بالذات و في ظل التطور الذي يعرفه العالم على جميع المستويات يمكن القول أن هذه القيم بدأت في الإندثار, لكن هذا لا يمنع أن نقول بأنه في بعض المدن مازالت بعض ظواهر التعاون موجودة و إن كانت بنسبة قليلة , لكنها توجد على مستوى الأحياء الشعبية فقط ,فلماذا تغيرت هذه القيم التي كانت موجودة في الماضي ؟

يلعب العامل الإقتصادي هنا دورا مهما يتجلى في كون الإنغماس في العمل طيلة النهار و البحث عن لقمة العيش بشكل متواصل يؤدي بالناس إلى الانعزال و الاهتمام بالعمل و باالأسرة الصغيرة فقط مفضلا مبدأ” التيقار” على الدخول في علاقات و تواصل معمق مع أهل الدرب , مكتفيا بإلقاء التحية عليهم من بعيد , أو زيارتهم في الأعياد او عند المرض أو الموت. على الرغم من أن الشغل طيلة النهار ليس مبررا للإنعزال عن الجيران و الإبتعاد عنهم , بل إن التعاون و التضامن معهم له نفع للجميع بالدرجة الأولى.

كانت علاقات الجوار في الماضي تلعب فيها النساء الدور الأكبر , حيث كانوا يجتمعون و يتواصلون و يتعاونون فيما بينهم , لأن المرأة في الماضي كانت جليسة الدار و لا تقوم إلا بالأعمال المنزلية , أما الآن و في ظل التطورالإجتماعي و الإقتصادي و السياسي أصبح لزاما على المرأة أن تكون جزء من المجتمع , فهي تخرج للعمل و ليس لها وقت للجلوس إلى أهل الدرب و لعب دور مهم فيه  , فالمرأة هي التي خلقت علاقة الجوار في الماضي بالشكل الذي كانت عليه وذلك بسبب الفراغ وهي اليوم التي خلقت هذا الشكل الجديد من العلاقات بسبب انشغالاتها.

من جانب آخر هناك تغير على مستوى الفهم تسبب في اندثار تقافة الدرب و التعاون بين الجيران ,فالبعض يرى أن الدين الإسلامي دعا إلى إحترام الجار و ليس التعاون معه و الدخول معه في علاقة معمقة مستدلا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ” لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه”, جعله فهمه البسيط يدرك أن في الابتعاد عن التعامل مع الجيران هو احترام لهم , متناسيا أن هناك أية قرآنية داعية الى التعاون بين المسلمين فما ادراك بالجيران,”وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان” , بل إن الناظر بتمعن و بعقلانية يرى أن بعض المشاكل الإجتماعية اليومية هي ناتجة عن عدم التواصل بين الجيران وإعتبار مفهوم ” التيقار” هو الأنسب للجميع ,فمثلا رمي القاذورات أمام بيوت الجيران ورفع الأصوات البشرية و…… هي دلالة واضحة على غياب معاني و قيم تربط بين المقيمين في ذلك الدرب , وكما كانت تلك القيم  في الماضي هي الضامن لعدم وقوع مشاكل عند الجيران , فإنها ستكون ضامنا في المستقبل لحياة مجتمعية مترابطة , تجمع بين الحداثة و المحافظة على القيم الأخلاقية الحميدة .

هي دعوة صريحة مني إلى الحفاظ على تلك القيم الحميدة التي كان لها دور كبير في تلاحم و تعاضد و تضامن مجتمعنا في إطار وحدة متراصة بمفاهيم دينية مؤطرة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) .

عن الساحة

3 تعليقات

  1. ياه،عدت بنا لأيام كان الناس يستمدون سعادتهم من علاقاتهم الإجتماعية الطيبة،قبح الله الرأسمالية التي جسدت المثل القبيح “لي ما عندو فلوس كلام مسوس”

  2. سمية الصغضاوي

    اتفق معك كامل الاتفاق فعلاقات الجيران ببعضهم البعض تلاشت تماما خصوصا في المدن . فلو رجعنا للزمن القريب كالتسعينات كنا نرى الاحياء الشعبية لا تخلو من الإطفال و النساء مجتمعات حقا كن يشكلن جو رائع . اما اليوم ترى الجار يهرب من جاره و لا يكلمه الا في الاعياد و كل جار يسد بابه على نفسه . حقا نتشوق لتلك الايام ليتها تحيا يوما!

  3. الشكر الجزيل لك الاخ و الصديق عبد العلي الهلالي عن هدا المقال الدي يجسد الواقع بكل ما يحمله من ابعاد و دلالات .. نحن بدورنا نتمنى ان تعود تلك القيم و المبادئ التي فقدناها

اترك تعليقاً