الرئيسية » ثقافة فن و إبداع » اختتام مهرجان الدولي المغاربي للفيلم في نسخته 12

اختتام مهرجان الدولي المغاربي للفيلم في نسخته 12

أسدل المهرجان الدولي المغاربي للفيلم بوجدة ستاره عن الدورة الـثانية عشرة المقامة من 20 إلى 25 أكتوبر 2023 تحت الرعاية الملكية السامية، تحت شعار “السينما من أجل العيش معا بين الشعوب ” وتوج الفيلم المغربي ” العبد ” للمخرج عبد الإله الجوهري، بجائزة الإخراج، كما فاز بجائزة السيناريو، وتم تكريم عدد من الأسماء الفنية اللامعة عربيا، من بينها الفنان المغربي إسماعيل أبو القناطر الذي انطلق في مسيرته الفنية منذ السبعينيات من القرن الماضي وتألق في عدد من الأعمال المسرحية والسينمائية والتلفزيونية.
إضافة إلى السينما الإسبانية التي كانت ضيفة الشرف لهذه الدورة.

العبد – فيلم لعبد الإله الجواهري
——————————–
يصنع الفيلم لحظة الإبهار منذ الوهلة الأولى، حين يجمع بين الدروس الأولى التي على المتعلم للسينما استيعابها و هو جمالية الصورة المرتبطة بالذائقة ثم القوانين التي تضمن للصورة وهجها من خلال القواعد الذهبية الداخلة في المعايير الكونية للجمال، كأنها رسالة مستدرجة لمشاهدي الفيلم بأنه متميز منذ البداية على مستوى الشكل، في انتظار الحكم على المضمون.
و على امتداد الفيلم تزيد الفكرة وضوحا بأنه فيلم رائع بجمالية الصورة التي وظفها المخرج، في عرضه للمناظر الخلابة لجهة الشرق، الذي يطغى على فكر الكثير أن لا جمالية فيه، خاصة القادمون إليه عبر القطار، و القطار هو أو صورة تصادف المشاهد في بداية الفيلم.
بعدها توالى المشاهد فتركز خاصة على شباب، أغلبهم في لهث خلف رغبة جامحة للعمل، لأن بالعمل يكون الاستقرار المادي و بذلك تكون الحياة السعيدة، ليخطب العمل يد العبودية المغلفة في غطاء الاختيارية بعدما كانت على مدى التاريخ اضطرارية.

ثم تظهر الأسرة كنواة، في تنوع أدوارها، و مكوناتها، في مشهد أثثت له مكتبة تميزا خاصا، عن باقي الأفلام المغربية التي لا عادة لا يظهر فيها الكتاب إلا عرضيا، الكتاب في فيلم العبد حاضر و بقوة، كمنبع للمعرفة، و عادة للقراءة، و وسيلة للترفيه و للتخفيف، كوسيلة لاحتضان آلام ذوي الاحتياجات الخاصة، خاصة من ذويهم و أهليهم و المقربين منهم، إذ عادة ما تعاني هذه الفئة التي لات تجد من يحفل بها بل تركن في مكان تخفى فيه و لا تظهر، و لا يتواصل معها، حيث قد ترى بعض النساء في ذلك من العناء و العذاب إن كانت الأم وحدها دون الأب و الإخوان معينا و مساعدا.
و الأم ليست فقط تجليا من تجليات النسوية أو الأنوثة، فالمرأة متعددة الحضور و على مختلف الطبقات، ربة بيت كانت أم مستخدمة في مصلحة ما أم خادمة، مع خصوصية الحميمية في أي فضاء كانت فيه، و شمولية الهدف لدى بعض المجتمعات و هي بلوغ الغاية ألا و هي الزواج مهما تكن الظروف الملابسات.
و تأتي روح الفيلم لتعانق السؤال الوجودي لكل فرد في المجتمع، العبودية للموجود و المجهول، بالمقابل أو بالمجان، العبودية للأشخاص، للأشياء، للذوات العظيمة التي نعرف أو التي نجهل، العبودية التي تعطي للحياة معنى، المعنى الذي نظن نحن أنه معنى، مهما كان المستوى العلمي للفرد، و درجته المجتمعية، العبودية المغلفة بالمفاهيم الحداثية أو بالأحرى المغلفة بالأطر القانونية و القواعد الكونية، العبودية التي تجعل السيد في شك دائم لنسق الخضوع و الخنوع، في انتظار زلة صنيع أو هفوة ليتبين أن العبودية الاختيارية لم تكن سوى سبيلا من سبل تحقيق هدف مضمر في تصرفات جهورة.
عبودية تبهر الآخرين لما تكون مطعمة بنصوص مؤسسة و مؤسسة على نظريات يبتلعها الطفل حتى يصير ما يصير، لكي يمررها لطفل آخر كمبدأ للتأثيث و التأسيس، بالمرجعية العلمية و ليس بغيرها.

و في حضور صورة للشيخ المتمثلة في الجد، و الطفل المتمثلة في الحفيد، تكريس لنواة الأسرة الممتدة، لظروف معينة، حتى و هما على مائدة عشاء، الجد و الحفيد معا يبحران على الفضاء التكنولوجي باستعمال المحمول، اللوحة الرقمية و الهاتف، رغم إشارة الجد كون العيون تبقى ترى الدونية بينما المفروض رؤية العلى من فرط استعمال الهاتف، كتنبيه لعادة “تستعبد” الجميع دونما انتباه أحد، إلا من أوتي الحكمة.
و لا تخلو صورة من صور الفيلم من استحضار لتاريخ المغرب عبر مناظره الخلابة في جهة الشرق، عبر فسيفساء ثقافته، عبر بيوته الممتلئة بالحب و العطف، عبر اللباس المغربي، عبر الواحة الضاربة في التاريخ، و عبر الحرارة الإنسانية من خلال تجليات عديدة جاءت بانسيابية كبيرة تعود لخبرة المخرج و دربته و درايته بالصورة، و علمه بالعطش للجمال و الذي يقرأه حيث ذهب لدى المتلقى المغربي للسينما.
و في الفيلم ذكاء مستدرج لانتباه المتلقي و تربية له على التأويل و التحليل، استدراج فني و دربة ثقافىة و تبني لسلوك الفرجة و التلقي، و تفكيك الخطاب، حيث شد الفيلم الانتباه إلى رمق الجينيرك، و استيعاب استرجاع الماضي منذ البداية إلى النهاية من خلال خطين زمنيين، يسهل على المتذوق للسينما فهمها من خلال مسير البطل و مساره.
أما البطل فيمكن الحديث عن أبطال، وعن انعدام البطولة بالمرة، لكثرة التنازع على التقرب من السيد، و استرخاص النفس في ذلك، بل حتى الوجوه التي تمت الاستعانة بها، كانت على موعد مع البطولية، ثم الاعتيادية في كل محطة، خاصة الذين تعودنا على رؤيتهم لماما في أعمال كبيرة لا فرق بينهم و بين الديكور، في ظهور عابر، و مرور غابر، ممن يتم إقحامهم في كل عمل أنجز بجهة الشرق، فتراهم يحشرون أنفسهم في السينما و المسرح و نقدهما، و ما لهم مقال و لا تكوين و لا مشاركة في الرقي بهذا المجال السينمائي بالنسبة لمسارهم “الفني”، رغم الفرص التي تتاح لهم، فيستمر بقاؤهم في الهامش بينما غيرهم يرتقون سريعا، و الأمر طبيعي، فلا هم يتكونون خارج إطار الجمعيات التي ينتسبون إليها و لا هم يقرأون كتابا و لا هم يتبنون أسلوب ممثل أو ممثلة من اختيارهم.

أما البطل الحقيقي، فتشخيص باهر و بارع، بحواره الجسدي، بوجهه، و قسماته، بحديثه المسترسل، بسرعة بديهته، بحضور روحه، بظله الخفيف، و مشيته في معطفه الذي يتقمص من خلاله شخصية السواد الذي لبسه، ليبقى شخصية غامضة مهما يتضح هدفه، و هو الخضوع و الخنوع، ممن المادي إلى الجمال، ما دامت فطرة الإنسان هي العبودية، كفلسفة وجودية في نسق البحث عن المعنى، مهما يكن السيد.
العبد و ما يملك لسيده، مثل عربي، تتجسد ثناياه في فيلم مغربي يستحق المشاهدة، فردا أو مع الأسرة، لحمولته الفنية و الثقافية، لجمال صورته و جماليتها، بعمق معانيه، و متانة مبانيه.

عن الساحة

اترك تعليقاً